من الألم إلى السلام — رحلة في القوة النفسية
مساء الخير،
وأشكركم في الاتحاد العالمي للسلام على إتاحة مساحة يُمكن فيها الحديث عن الصحة النفسية بصدق وتعاطف وشجاعة.
اليوم، لا أتحدث من موقع أو لقب.
أتحدث كامرأة نجت من عقلها.
لفترة طويلة، بدا مظهري الخارجي قوياً.
لكن في الداخل، كنت أعيش ألماً لم أستطع تفسيره — ولا أزال أحياناً.
هناك أجزاء من طفولتي المبكرة لا أستطيع تذكّرها بالكامل — وهذا بحد ذاته قصة.
لم أنطق بالكلام حتى سن الرابعة تقريباً. أؤمن الآن أنني كنت في حالة صدمة. كان الخوف لغتي الأولى، وكان الصمت حمايتي.
سنواتي الأولى كانت مليئة بالرعب الدائم. نشأت في بيئة كان فيها العقاب قاسياً وغير متوقع. تعلمت باكراً أن الكلام، أو الحركة، أو حتى إصدار صوت قد يؤدي إلى الأذى. على مائدة الطعام، لم يكن مسموحاً لي بالكلام. في السيارة، لم أكن أجرؤ حتى على السعال. وعندما كنت أسمع صوت المفاتيح في الباب، كنت أركض إلى سريري وأتظاهر بالنوم — لأن الليل كان يعني الخوف، والخوف كان يعني البقاء.
وُلدت في الجيزة، القاهرة، وعشت هناك السنوات الأولى من حياتي، رغم أن ذاكرتي عنها قليلة. لديّ بعض الذكريات اللطيفة، منها جدتي من جهة أمي، التي كانت تطعمني وتعتني بي غالباً، وتوفيت عندما كنت في الخامسة أو السادسة من عمري. ثم انتقلنا إلى المنصورة. عشت في خوف دائم من الصراعات بين عائلتي والديّ، وخاصة من والدي. تشكّل جهازي العصبي بالخوف قبل أن أمتلك كلمات تصفه. عائلة والدي لم تتقبل أمي أو عائلتها. وكما هو الحال في كثير من العائلات النبيلة في مصر في تلك الحقبة — لا سيما ذات الأصول الألبانية بين عامي 1769 و1953 — كان هناك رفض اجتماعي للزواج خارج السلالة. كانت أمي مصرية بالكامل، وهذا الاختلاف خلق تعقيداً دائماً داخل العائلة. تنتمي أمي إلى عائلة مصرية عريقة من المنصورة، لعبت دوراً مهماً في صناعة الأسمنت والخرسانة، وأسهمت في بناء وتطوير البنية التحتية في مصر خلال تلك الفترة.
في المدرسة، كنت هادئة، منسحبة، ومعزولة اجتماعياً. كنت دائماً أجلس في آخر الصف، أخفي ألماً لم أعرف كيف أشرحه. في ثقافتنا، كان الحديث عن الإساءة عيباً — فصار الصمت أمراً طبيعياً. رآني المعلمون طفلة هادئة. لم يرَ أحد الألم والخوف. رأوني طفلة هادئة تكافح لتتكلم.
لاحقاً، عندما انتقلت إلى الإسكندرية في سن الثالثة عشرة تقريباً، ظهر نوع مختلف من الضغط. كنت أنضج، وأصبح مرئية، وكانت عائلتي ميسورة. من الخارج، بدا أن لدي كل شيء. من الداخل، كنت ما زلت أحمل الخوف والصمت. ركزت بالكامل على دراستي. حققت نتائج أكاديمية عالية، ووجدت ملاذي في الفن. تخرجت في كلية الفنون الجميلة. صار الإبداع لغتي حين كان الكلام لا يزال مخيفاً.
منذ سن مبكرة، كنت أستعد بهدوء للهروب. فتحت حساباً بنكياً باسمي. جهزت التأشيرات. كنت أعرف لندن جيداً — فقد زرتها مرات عديدة. لكن مغادرة مصر كامرأة لم تكن سهلة. كان القانون يتطلب إذن الأب، ثم لاحقاً إذن الزوج. كان نظاماً ذكورياً.
بالنسبة لي، كان الزواج يبدو كالدخول إلى سجن. كنت أُقدَّم دائماً على أنني “فتاة جميلة” — كصورة من كتالوغ، يُشاد بجمالي ونَسَبي وخلفيتي، وكأنني سيرة ذاتية لا إنسانة. تلقيت عروض زواج مرتبة لا تُحصى، ومع ذلك أصبحت معروفة بلقب “العروس الهاربة”، وانتُقدت بسبب إنفاقي على الملابس ورفضي لما سماه الآخرون فرصاً نادرة.
في رفضي، صُوّرت على أنني جاحدة — أرفض عروضاً “لا تجرؤ أي فتاة أخرى على رفضها”. ما لم يره أحد هو الألم الذي أحمله، أو الحقيقة الهادئة بأنني كنت أُعدّ للهروب بالفعل.
عندما تمكنت للمرة الأولى من المغادرة إلى لندن، كتبت رسالة لوالدي ووضعتها في غرفتي. وبجانبها، قطعت بطاقات أمريكان إكسبريس الذهبية إلى قطع صغيرة، وكتبت ما لم أستطع قوله بصوت عالٍ — أن كل قرش أنفقه عليّ سأعيده.
غادرت بلدي هرباً من الإساءة.
وصلت إلى المملكة المتحدة بلا شيء — بلا منزل، بلا شبكة أمان، وبلا يقين.
اخترت التشرد على الراحة بلا كرامة، لأن الحرية — حتى وهي هشة — أثمن من الأمان المبني على السيطرة.
هذا الاختيار أنقذ حياتي، وهو ما يوجّه عملي اليوم.
بسذاجة، تواصلت مع أحد الأقارب لأخبره أنني بخير. نُقل مكاني، وأُعيدتُ رغماً عني. لكنني لم أستسلم. بعد أشهر، هربت مجدداً — وهذه المرة بقيت.
على مدى خمسة وعشرين عاماً، كانت المملكة المتحدة موطني. جئت بلا شيء. اخترت التشرد على حياة بلا كرامة. درست، عملت، نظّمت وضعي القانوني، وأعدت بناء حياتي من الصفر.
لاحقاً، وقعت في الحب وتزوجت. لم أشارك ماضيّ — لا لأنني كنت غير صادقة، بل لأنني كنت أشعر بالخجل وما زلت أتعلم كيف أتكلم. أنجبنا ابناً. لكن عندما جاء الضغط من عائلته، لم يحمِني زوجي. اكتشفت نمطاً آخر: حب بلا أمان ليس حباً.
منذ ذلك الحين، أصبحت حياتي سلسلة من المعارك القانونية وعدم الاستقرار والبقاء. أنا في المحاكم منذ عام 2009. في عام 2017، اندلع حريق في منزلي — صدمة أخرى، انتقال قسري آخر، ومعركة أخرى من أجل حقوق أساسية. تحملت كل ذلك وحدي.
خلال هذه الفترة، انهارت صحتي. أصبت بأمراض جسدية خطيرة إلى جانب اكتئاب طويل الأمد واضطراب ما بعد الصدمة. شُخّصت بسرطان الغدة الدرقية. احتجت إلى جراحة كبرى في الركبة. عانيت من ارتفاع ضغط الدم، وتجلط، وألم مزمن، وإرهاق شديد. لم تكن الصدمة في الذاكرة فقط، بل في الجسد.
لاحقاً، دخلت علاقة أخرى ظننت أنها قد تجلب الاستقرار. لكنها جلبت أذى إضافياً. شككت في أموال غير مبررة، وأرقام تسلسلية لأوراق نقدية، وسرية وسيطرة — وعندما سألت، تغير كل شيء. أُخذت وثائقي. سُرق جواز سفري. شُوّهت سمعتي. نُشرت صور خاصة دون موافقتي. وجدت نفسي أواجه اتهامات كاذبة وأنا منهكة أصلاً.
في أدنى نقطة، مثقلة ويائسة بحثاً عن الأمان، ارتكبت خطأ: وثقت بالشخص الخطأ في موقع سلطة، أملاً في المساعدة. كنت ضعيفة. مرهقة. أريد حماية. وعندما أدركت ما يحدث، انسحبت — لكنني تعلمت مرة أخرى كيف تُضعف الصدمة الحكم على الأمور، خاصة عندما يكون الخوف رفيقاً دائماً. ولا يساء فهمي: في ديني وفهمي الثقافي، قد يُسمح للرجل دينياً بالزواج مرة أخرى حتى أربع مرات، وبالتالي قد تُعرض علاقة مع رجل متزوج على أنها مشروعة ضمن ذلك الإطار. وفي بعض البلدان يتطلب ذلك علم الزوجة الأولى أو موافقتها. هذا الوضع لم يكن خياري، وقد انسحبت منه خلال أسابيع.
ومع ذلك، فإن الإذن الديني لا يزيل المسؤولية الأخلاقية عن الصدق والحماية والمساءلة — ولا يبرر الخداع أو الإكراه أو الأذى.
لا أسرد هذه القصة طلباً للشفقة.
أسردها لشرح كيف تتشكل الصحة النفسية — بطفولة مرعبة، وبصدمات مطوّلة، وبأنظمة تفشل في الحماية، وبخيانة متكررة. وأيضاً، في أوقات الألم، عندما تجد يداً لطيفة، قد يُضلل الضعف والجوع للعطف العقل؛ فالعطش للحنان قد يخدعنا نفسياً.
الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة لم يظهرا فجأة في حياتي.
بُنيا طبقة فوق طبقة، عاماً بعد عام. أتلقى العلاج منذ 2010. أول حدثين من أكثر ما أرعبني في حياتي كان فقدان أمي عام 2004. توفيت في ألمانيا بعد جراحة في الدماغ إثر صراع مع سرطان الجهاز العصبي. أن أكون بلاها كان مدمراً بما لا يوصف.
إلى جانب حزن فقدانها، حملت ألماً آخر — ذكريات مؤلمة من خوف وارتباك ومعاناة من سنوات سابقة. ذكريات تتضمن إذلالاً وعقاباً جسدياً وصدمات عاطفية لا تزال محفورة في داخلي. هذه التجارب خلقت طبقات من الألم لم تختفِ بمرور الوقت.
وتوجد التعقيدات نفسها في علاقتي بوالدي. من المفترض أن يأتي الأمان والحماية من الوالد، ومع ذلك هناك ذكريات لا تُمحى. امتزج الحب والخوف والفقدان والصدمة، تاركاً جروحاً يتطلب فهمها وشفاؤها عمراً كاملاً.
أما التجربة الثانية الأكثر رعباً في حياتي فكانت رؤية ابني طريح سرير المستشفى من عام 2010 إلى 2014 — فترة طويلة ومروّعة تبقى من أكثر فصول حياتي إيلاماً. خلال ذلك الوقت، تخلى عنه والده، محرِماً إياه من الرعاية والاستقرار والأمان العاطفي. ألم ابني، إلى جانب التحديات المستمرة، دفعنا إلى سنوات من المعارك القضائية المتواصلة، ومنعتنا من التنفس بحرية أو عيش حياة طبيعية.
هذا الوضع غير مقبول أساساً. الضغط وعدم الاستقرار والضغط القانوني طال أمده أكثر مما ينبغي. كان همّي الأول دائماً هو سلامة طفلي.
لسنوات، عاش ابني — وهو الآن في السابعة عشرة — تحت ضغط دائم، واضطرابات مستمرة، وصراع لا ينتهي لا ينبغي لأي شاب أن يتحمله.
بالطبع، كانت هناك لحظات مخيفة أخرى: الوصول إلى بلد جديد وحيدة، وعدم معرفة ما ينتظرني، ومواجهة أشخاص حاولوا استغلال ضعفي. لكن هاتين التجربتين، فوق كل غيرهما، شكّلتا أعمق مخاوفي وحزني وقوتي.
إضافة إلى هذه الخسائر، واجهت سنوات من المعارك التي لم أتخيلها. حاربت أنظمة هجرة شككت في حقي بالأمان، وتعرضت لضغوط سياسية لوقوفي مع نفسي، وهجمات قانونية — بما في ذلك قضايا في مصر مبنية على ادعاءات كاذبة وغير مفهومة مثل غسل الأموال. تداخلوا مع وضعي الشخصي في الهجرة عبر الوصول إلى ملفي دون موافقتي وحجب مراسلات جنسيتي، بما في ذلك دعوة التجنيس، رغبةً في إفشالها.
كان ذلك جزءاً من سنوات من عدم الاستقرار والعذاب النفسي. في كل مرة حققت فيها نجاحاً — في عملي، أو اعترافاً عاماً، أو نلت أوسمة أو تكريماً — ظهرت محاولات جديدة لتقويضي وكسرِي.
لم أُستهدف لأنني مذنبة، بل لأنني بدأت أتكلم. في كل مرة رفعت صوتي، ظهرت اتهامات وعقبات وضغوط جديدة.
لم تحدث هذه التجارب مرة واحدة؛ بل امتدت عبر سنوات طويلة. كانت مرعبة، مُنهِكة، ومزعزِعة للاستقرار. وحتى اليوم، ما زلت أتنقل بين تحديات مستمرة.
ومع ذلك، ما زلت واقفة — تشكلت بما نجوت منه، وقويت برفضي للصمت.
ومع ذلك — ما زلت هنا.
أواصل اختيار الكرامة.
أواصل حماية ابني.
أواصل الكلام، حتى عندما يرتجف صوتي.
أتحدث اليوم ليس فقط كمدافعة عن السياسات — بل كإنسانة تفهم، من التجربة الحية، كيف تتقاطع الإساءة والسيطرة والصمت.
الشفاء بالنسبة لي ليس النسيان.
إنه تعلم العيش بلا صمت.
الصدمة لا تختفي مع الوقت. تعيش في الجسد.
تنتظر بصمت، وقد تعيدها محفزات صغيرة إلى السطح.
لهذا علينا أن نتعلم الاستماع لأنفسنا، وأن نعرف حدودنا ونحترمها.
الشفاء يحتاج إلى رعاية — لا ضغط.
والبقاء يتطلب معرفة متى نتوقف، ومتى نرتاح، ومتى نحمي أنفسنا.
أحياناً يبدو الألم درامياً.
وأحياناً يكون هادئاً — يتراكم ببطء.
نوع الألم الذي يجعل الأيام العادية ثقيلة
ويحوّل الليالي إلى شيء مخيف.
سيطر القلق على جسدي.
تسارع قلبي.
صار نفسي سطحياً.
عشت بإحساس دائم بأن شيئاً سيئاً على وشك الحدوث — وفي كثير من اللحظات، حدث فعلاً.
سُرق جواز سفري من منزلي.
تعرضت للاعتداء.
اندلع حريق في بيتي.
نُشرت مادة الأمونيا داخل المنزل.
صار الخوف دائماً.
ليس متخيلاً — بل حقيقياً.
ومع تقاعس الشرطة، اضطررت لوضع سكين تحت سريري، وإغلاق الأبواب بالمفاتيح، وتركيب كاميرات، والاستعانة بالكلاب. كنت خائفة — وما زلت خائفة. بمرور الوقت، واجهت أنماطاً من السيطرة والتلاعب والإكراه المالي جعلتني أخشى على سلامتي. كان التعامل مع المال يتم بطرق غير آمنة ومهينة. أُخذت وثائقي الشخصية، بما فيها جواز سفري، من منزلي دون موافقتي. تركتني هذه الأحداث مكشوفة ومهددة ومُستغلة. وتبع ذلك حملة تشويه ممنهجة للنيل من مصداقيتي ومكانتي.
أدركت أنني لم أُعامل كزوجة ولا كإنسانة، بل كجسر — وسيلة للوصول إلى آخرين، أو لاكتساب موافقة أو نفوذ أو مصلحة. ما اعتقدته زواجاً كان في الحقيقة بناءً قائماً على الخداع.
هناك ألم لا يفهمه إلا الله:
أن تكتشفي أن الرجل الذي تزوجته لم يخنك عاطفياً فحسب، بل عمل ضدك — خطوة خطوة، وفعلاً فعلاً لسنوات — ليس بدافع الحب أو القناعة، بل لنيل موافقة رجل آخر.
ليس صديقاً.
ليس زميلاً.
بل شخصية ذات نفوذ من ماضيّ — شخص ألحق بي أذى عميقاً من قبل.
ومع ذلك، وسط ذلك الخوف، اتخذت قراراً.
اخترت الإيمان بالله.
اخترت الإيمان بأن لا أحد يستطيع تغيير اليوم المكتوب لي أو لابني.
هذا الإيمان لا يعني أنني لا أخاف — بل يعني أنني أضع ثقتي حيث لا يحكم الخوف.
أسلّم حياتي وحياة ابني لله، حتى وأنا أشعر بالخوف الإنساني.
أصبحت خائفة من محيطي.
خائفة من إساءة استخدام السلطة ضدي.
مرعوبة من المشي وحدي — حتى في وضح النهار.
شعرت بأنني محاصَرة.
داخل أفكاري.
داخل الخوف.
داخل واقع لا أشعر فيه بالأمان.
تبع ذلك الاكتئاب.
كان النهوض من السرير يبدو مستحيلاً.
الوحدة كانت مخيفة.
وفي الليل، لم يكن عقلي يهدأ.
كانت هناك فترات — بما فيها الآن — احتاج فيها جسدي إلى الدواء للنوم.
ليس للهروب من الحياة،
بل للبقاء خلال الليل بلا هلع.
كانت هناك لحظات همس فيها عقلي بأن الاختفاء قد يجلب راحة.
ليس لأنني أردت الموت —
بل لأنني أردت أن يتوقف الألم.
أردت أن تهدأ الأفكار المتسارعة،
أن أرتاح، أن أنام،
أن أتوقف عن دوّامة العقل حين يخرج عن السيطرة.
لم أكن أعرف طريقاً آخر آنذاك.
وما زلت أتعلم — وما زلت أقاتل — وما زلت أختار البقاء.
هذه الأفكار مرعبة.
وكثير من الناس يعيشونها في صمت.
ما أنقذني لم يكن التظاهر بالقوة.
ما أنقذني كان قول الحقيقة.
كان هناك خطأ ما.
وكثير من النساء — والأطفال — يعيشون داخل هذا الخوف ذاته.
علينا أن نتحدث بصدق عن الإساءة والسيطرة والأنا والسلطة.
هذا لا يعني أن كل الرجال هم المشكلة. الرجال أيضاً يتعرضون للإساءة، وألمهم مهم. كثير من الناس — رجالاً ونساءً — يُسحبون إلى مواقف بدافع العاطفة أو الضغط أو الخوف، لا لأنهم اختاروها أو وافقوا عليها في ظروف طبيعية.
لن أقدم أوهام السيطرة الكاملة على حياتي. أنا إنسانة مثل الجميع. أُخطئ. لكن عندما أدرك أنني في وضع لا ينبغي أن أكون فيه، أتحمل المسؤولية، وأتراجع، وأراجع أفعالي.
لأن الصمت يحمي الأذى.
والحقيقة لا تفعل.
ما ساعدني على البقاء كان تعلم كيف أبقى في جسدي
عندما كانت كل غرائزي تريد الهروب منه.
تعلمت التأريض.
عندما كان القلق لا يُحتمل، استخدمت البرودة — الثلج على يديّ ومعصميّ ورقبتي، وأحياناً حمامات الثلج.
ليس لمعاقبة نفسي،
بل لقطع نوبة الهلع وإعادة جسدي إلى الحاضر.
أجبرت البرودة جهازي العصبي على التباطؤ.
ذكّرتني:
أنا هنا.
أنا حيّة.
سيمر هذا.
تعلمت أن أتنفس حين كان جسدي يقاوم التنفس.
تعلمت الجلوس مع الهلع بدلاً من الهروب منه.
تعلمت أن المشاعر ليست ضعفاً — بل إشارات.
تعلمت الحدود.
الحقيقية منها.
أحياناً كان السلام يعني الرحيل.
قطع التواصل.
اختيار نفسي — حتى عندما بدا ذلك وحيداً.
تعلمت أن الاكتئاب يكذب.
يخبرك أنك عبء.
أن لا شيء سيتغير.
أنك وحدك.
تبدو هذه الأفكار حقيقية —
لكنها ليست الحقيقة.
في مرحلة ما، أصبحت قصتي ثقيلة على عقلي لاحتوائها دفعة واحدة.
بدا من المستحيل أن يحدث كل هذا لشخص واحد.
فتوقفت عن محاولة معالجة كل شيء في الوقت نفسه.
جزأت الحياة.
مشكلة واحدة.
خوف واحد.
خطوة واحدة.
توقفت عن إعادة تشغيل الخيانة.
وتوقفت عن محاولة فهم القسوة.
لأن هذا التفكير كان يدمرني.
أدركت أمراً مهماً:
لا أستطيع التحكم فيما يفعله الآخرون.
لا أستطيع التحكم في الخيانة أو الإساءة أو ألعاب السلطة.
لكنني أستطيع التحكم في ردة فعلي.
اخترت ألا أعيش في الكراهية.
ألا أغرق في الانتقام.
ألا أسمح لما فُعل بي أن يحدد من أكون.
اخترت الارتقاء بنفسي —
بالتعاطف،
وبالحدود،
وبالكرامة.
هذا الاختيار أنقذ عقلي.
كانت هناك أيام كان فيها دماغي مثقلاً —
ضغط قانوني، مسؤولية، خوف، وحدة — كلها معاً.
أصبحت الأشياء البسيطة صعبة.
كتابة رسالة.
مغادرة الغرفة.
المشي في الخارج بدا غير آمن — ليس بسبب خطر أمامي، بل لأن جهازي العصبي كان مرهقاً.
فقلّصت الحياة إلى أصغر الأفعال الممكنة.
اليوم، أجيب عن رسالة واحدة.
اليوم، أحضر موعداً واحداً.
اليوم، أتنفس خلال ساعة واحدة.
وببطء، صار ذلك بقاءً.
هناك حقيقة أخرى أود قولها.
أعاني من الثقة.
أشك في النوايا.
أتحرك بسرعة — ليس لأنني بلا خوف، بل لأن جزءاً مني عاش بخوف أن الوقت قد ينفد.
ومع ذلك، إلى جانب هذا الخوف، هناك شيء آخر.
لا أريد لأحد أن يتألم.
لا أريد لأحد أن يشعر بالهجر أو الخوف أو عدم الرؤية.
لذلك أعطي ما لدي — رعاية، وقت، دعم — حتى عندما لا يتبقى لدي الكثير.
لأنني أؤمن بالبشر.
أؤمن بأن الناس يمكن أن يكونوا أفضل.
هذا الإيمان أبقاني على قيد الحياة.
ما أعرفه الآن هو الآتي:
البقاء ليس أن تصبح قاسياً.
الشفاء هو أن تصبح صادقاً.
القوة النفسية ليست الصمت.
هي استخدام أي شيء يبقيك حيّاً — دواء، تأريض، علاج، إيمان، دعم — بلا خجل.
هي اختيار الحياة مراراً وتكراراً،
حتى في الأيام التي تبدو فيها الحياة غير محتملة.
إن كنت تعاني اليوم، أرجوك اسمع هذا:
أنت لست مكسوراً.
أنت لست ضعيفاً.
أنت لا تفشل.
أنت تستجيب بشكل طبيعي
لمستويات غير طبيعية من الألم.
أقف هنا ليس لأنني لم أسقط يوماً،
بل لأنني لم أستسلم —
حتى عندما توسّل عقلي أن أختفي.
ولهذا يهمّ السلام.
السلام ليس غياب الألم.
السلام هو تعلم كيف تبقى حيّاً
بتعاطف مع نفسك.
كانت هناك لحظة غيّرت كل شيء بالنسبة لي.
أدركت أن ابني كان يفقد أمه —
ليس جسدياً،
بل عاطفياً ونفسياً.
خسر عاماً من تعليمه —
ليس بسبب القدرة،
بل لأن الألم وعدم الاستقرار فُرضا على حياته.
رأيت الخوف في طفل لا ينبغي أن يعرف إلا الأمان.
وفي تلك اللحظة، فهمت:
إن لم أعتنِ بنفسي، سأفقده.
عندها اخترت العلاج.
ليس لأنني ضعيفة —
بل لأنه كان بحاجة إلى أمه.
اخترت الشفاء ليشعر بالأمان من جديد.
اخترت الحياة ليستمر هو في حياته.
ذلك القرار أنقذنا معاً.
عندما وصلت إلى نقطة الانهيار، أدركت أنني لا أستطيع الاستمرار في حمل ألم لم يكن لي لأحمله.
اخترت أن أنهض مجدداً.
واليوم أقول هذا بوضوح:
أنا أستحق.
في عام 2026، رسالتنا بسيطة.
هذا ليس لإثبات أي شيء.
بل لتذكّر قيمتنا.
القوة ليست أن تصبح بارداً.
القوة هي معرفة قيمتك
ورفض أن تفقد نفسك للألم.
الألم لم يعرّفني.
السلام علّمني قيمتي.
شكراً لحسن الاستماع.
شكراً لاختياركم الصحة النفسية.
وشكراً لاختياركم السلام.
من الألم إلى السلام — رحلة في القوة النفسية
مساء الخير،
وأشكركم في الاتحاد العالمي للسلام على إتاحة مساحة يُمكن فيها الحديث عن الصحة النفسية بصدق وتعاطف وشجاعة.
اليوم، لا أتحدث من موقع أو لقب.
أتحدث كامرأة نجت من عقلها.
لفترة طويلة، بدا مظهري الخارجي قوياً.
لكن في الداخل، كنت أعيش ألماً لم أستطع تفسيره — ولا أزال أحياناً.
هناك أجزاء من طفولتي المبكرة لا أستطيع تذكّرها بالكامل — وهذا بحد ذاته قصة.
لم أنطق بالكلام حتى سن الرابعة تقريباً. أؤمن الآن أنني كنت في حالة صدمة. كان الخوف لغتي الأولى، وكان الصمت حمايتي.
سنواتي الأولى كانت مليئة بالرعب الدائم. نشأت في بيئة كان فيها العقاب قاسياً وغير متوقع. تعلمت باكراً أن الكلام، أو الحركة، أو حتى إصدار صوت قد يؤدي إلى الأذى. على مائدة الطعام، لم يكن مسموحاً لي بالكلام. في السيارة، لم أكن أجرؤ حتى على السعال. وعندما كنت أسمع صوت المفاتيح في الباب، كنت أركض إلى سريري وأتظاهر بالنوم — لأن الليل كان يعني الخوف، والخوف كان يعني البقاء.
وُلدت في الجيزة، القاهرة، وعشت هناك السنوات الأولى من حياتي، رغم أن ذاكرتي عنها قليلة. لديّ بعض الذكريات اللطيفة، منها جدتي من جهة أمي، التي كانت تطعمني وتعتني بي غالباً، وتوفيت عندما كنت في الخامسة أو السادسة من عمري. ثم انتقلنا إلى المنصورة. عشت في خوف دائم من الصراعات بين عائلتي والديّ، وخاصة من والدي. تشكّل جهازي العصبي بالخوف قبل أن أمتلك كلمات تصفه. عائلة والدي لم تتقبل أمي أو عائلتها. وكما هو الحال في كثير من العائلات النبيلة في مصر في تلك الحقبة — لا سيما ذات الأصول الألبانية بين عامي 1769 و1953 — كان هناك رفض اجتماعي للزواج خارج السلالة. كانت أمي مصرية بالكامل، وهذا الاختلاف خلق تعقيداً دائماً داخل العائلة. تنتمي أمي إلى عائلة مصرية عريقة من المنصورة، لعبت دوراً مهماً في صناعة الأسمنت والخرسانة، وأسهمت في بناء وتطوير البنية التحتية في مصر خلال تلك الفترة.
في المدرسة، كنت هادئة، منسحبة، ومعزولة اجتماعياً. كنت دائماً أجلس في آخر الصف، أخفي ألماً لم أعرف كيف أشرحه. في ثقافتنا، كان الحديث عن الإساءة عيباً — فصار الصمت أمراً طبيعياً. رآني المعلمون طفلة هادئة. لم يرَ أحد الألم والخوف. رأوني طفلة هادئة تكافح لتتكلم.
لاحقاً، عندما انتقلت إلى الإسكندرية في سن الثالثة عشرة تقريباً، ظهر نوع مختلف من الضغط. كنت أنضج، وأصبح مرئية، وكانت عائلتي ميسورة. من الخارج، بدا أن لدي كل شيء. من الداخل، كنت ما زلت أحمل الخوف والصمت. ركزت بالكامل على دراستي. حققت نتائج أكاديمية عالية، ووجدت ملاذي في الفن. تخرجت في كلية الفنون الجميلة. صار الإبداع لغتي حين كان الكلام لا يزال مخيفاً.
منذ سن مبكرة، كنت أستعد بهدوء للهروب. فتحت حساباً بنكياً باسمي. جهزت التأشيرات. كنت أعرف لندن جيداً — فقد زرتها مرات عديدة. لكن مغادرة مصر كامرأة لم تكن سهلة. كان القانون يتطلب إذن الأب، ثم لاحقاً إذن الزوج. كان نظاماً ذكورياً.
بالنسبة لي، كان الزواج يبدو كالدخول إلى سجن. كنت أُقدَّم دائماً على أنني “فتاة جميلة” — كصورة من كتالوغ، يُشاد بجمالي ونَسَبي وخلفيتي، وكأنني سيرة ذاتية لا إنسانة. تلقيت عروض زواج مرتبة لا تُحصى، ومع ذلك أصبحت معروفة بلقب “العروس الهاربة”، وانتُقدت بسبب إنفاقي على الملابس ورفضي لما سماه الآخرون فرصاً نادرة.
في رفضي، صُوّرت على أنني جاحدة — أرفض عروضاً “لا تجرؤ أي فتاة أخرى على رفضها”. ما لم يره أحد هو الألم الذي أحمله، أو الحقيقة الهادئة بأنني كنت أُعدّ للهروب بالفعل.
عندما تمكنت للمرة الأولى من المغادرة إلى لندن، كتبت رسالة لوالدي ووضعتها في غرفتي. وبجانبها، قطعت بطاقات أمريكان إكسبريس الذهبية إلى قطع صغيرة، وكتبت ما لم أستطع قوله بصوت عالٍ — أن كل قرش أنفقه عليّ سأعيده.
غادرت بلدي هرباً من الإساءة.
وصلت إلى المملكة المتحدة بلا شيء — بلا منزل، بلا شبكة أمان، وبلا يقين.
اخترت التشرد على الراحة بلا كرامة، لأن الحرية — حتى وهي هشة — أثمن من الأمان المبني على السيطرة.
هذا الاختيار أنقذ حياتي، وهو ما يوجّه عملي اليوم.
بسذاجة، تواصلت مع أحد الأقارب لأخبره أنني بخير. نُقل مكاني، وأُعيدتُ رغماً عني. لكنني لم أستسلم. بعد أشهر، هربت مجدداً — وهذه المرة بقيت.
على مدى خمسة وعشرين عاماً، كانت المملكة المتحدة موطني. جئت بلا شيء. اخترت التشرد على حياة بلا كرامة. درست، عملت، نظّمت وضعي القانوني، وأعدت بناء حياتي من الصفر.
لاحقاً، وقعت في الحب وتزوجت. لم أشارك ماضيّ — لا لأنني كنت غير صادقة، بل لأنني كنت أشعر بالخجل وما زلت أتعلم كيف أتكلم. أنجبنا ابناً. لكن عندما جاء الضغط من عائلته، لم يحمِني زوجي. اكتشفت نمطاً آخر: حب بلا أمان ليس حباً.
منذ ذلك الحين، أصبحت حياتي سلسلة من المعارك القانونية وعدم الاستقرار والبقاء. أنا في المحاكم منذ عام 2009. في عام 2017، اندلع حريق في منزلي — صدمة أخرى، انتقال قسري آخر، ومعركة أخرى من أجل حقوق أساسية. تحملت كل ذلك وحدي.
خلال هذه الفترة، انهارت صحتي. أصبت بأمراض جسدية خطيرة إلى جانب اكتئاب طويل الأمد واضطراب ما بعد الصدمة. شُخّصت بسرطان الغدة الدرقية. احتجت إلى جراحة كبرى في الركبة. عانيت من ارتفاع ضغط الدم، وتجلط، وألم مزمن، وإرهاق شديد. لم تكن الصدمة في الذاكرة فقط، بل في الجسد.
لاحقاً، دخلت علاقة أخرى ظننت أنها قد تجلب الاستقرار. لكنها جلبت أذى إضافياً. شككت في أموال غير مبررة، وأرقام تسلسلية لأوراق نقدية، وسرية وسيطرة — وعندما سألت، تغير كل شيء. أُخذت وثائقي. سُرق جواز سفري. شُوّهت سمعتي. نُشرت صور خاصة دون موافقتي. وجدت نفسي أواجه اتهامات كاذبة وأنا منهكة أصلاً.
في أدنى نقطة، مثقلة ويائسة بحثاً عن الأمان، ارتكبت خطأ: وثقت بالشخص الخطأ في موقع سلطة، أملاً في المساعدة. كنت ضعيفة. مرهقة. أريد حماية. وعندما أدركت ما يحدث، انسحبت — لكنني تعلمت مرة أخرى كيف تُضعف الصدمة الحكم على الأمور، خاصة عندما يكون الخوف رفيقاً دائماً. ولا يساء فهمي: في ديني وفهمي الثقافي، قد يُسمح للرجل دينياً بالزواج مرة أخرى حتى أربع مرات، وبالتالي قد تُعرض علاقة مع رجل متزوج على أنها مشروعة ضمن ذلك الإطار. وفي بعض البلدان يتطلب ذلك علم الزوجة الأولى أو موافقتها. هذا الوضع لم يكن خياري، وقد انسحبت منه خلال أسابيع.
ومع ذلك، فإن الإذن الديني لا يزيل المسؤولية الأخلاقية عن الصدق والحماية والمساءلة — ولا يبرر الخداع أو الإكراه أو الأذى.
لا أسرد هذه القصة طلباً للشفقة.
أسردها لشرح كيف تتشكل الصحة النفسية — بطفولة مرعبة، وبصدمات مطوّلة، وبأنظمة تفشل في الحماية، وبخيانة متكررة. وأيضاً، في أوقات الألم، عندما تجد يداً لطيفة، قد يُضلل الضعف والجوع للعطف العقل؛ فالعطش للحنان قد يخدعنا نفسياً.
الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة لم يظهرا فجأة في حياتي.
بُنيا طبقة فوق طبقة، عاماً بعد عام. أتلقى العلاج منذ 2010. أول حدثين من أكثر ما أرعبني في حياتي كان فقدان أمي عام 2004. توفيت في ألمانيا بعد جراحة في الدماغ إثر صراع مع سرطان الجهاز العصبي. أن أكون بلاها كان مدمراً بما لا يوصف.
إلى جانب حزن فقدانها، حملت ألماً آخر — ذكريات مؤلمة من خوف وارتباك ومعاناة من سنوات سابقة. ذكريات تتضمن إذلالاً وعقاباً جسدياً وصدمات عاطفية لا تزال محفورة في داخلي. هذه التجارب خلقت طبقات من الألم لم تختفِ بمرور الوقت.
وتوجد التعقيدات نفسها في علاقتي بوالدي. من المفترض أن يأتي الأمان والحماية من الوالد، ومع ذلك هناك ذكريات لا تُمحى. امتزج الحب والخوف والفقدان والصدمة، تاركاً جروحاً يتطلب فهمها وشفاؤها عمراً كاملاً.
أما التجربة الثانية الأكثر رعباً في حياتي فكانت رؤية ابني طريح سرير المستشفى من عام 2010 إلى 2014 — فترة طويلة ومروّعة تبقى من أكثر فصول حياتي إيلاماً. خلال ذلك الوقت، تخلى عنه والده، محرِماً إياه من الرعاية والاستقرار والأمان العاطفي. ألم ابني، إلى جانب التحديات المستمرة، دفعنا إلى سنوات من المعارك القضائية المتواصلة، ومنعتنا من التنفس بحرية أو عيش حياة طبيعية.
هذا الوضع غير مقبول أساساً. الضغط وعدم الاستقرار والضغط القانوني طال أمده أكثر مما ينبغي. كان همّي الأول دائماً هو سلامة طفلي.
لسنوات، عاش ابني — وهو الآن في السابعة عشرة — تحت ضغط دائم، واضطرابات مستمرة، وصراع لا ينتهي لا ينبغي لأي شاب أن يتحمله.
بالطبع، كانت هناك لحظات مخيفة أخرى: الوصول إلى بلد جديد وحيدة، وعدم معرفة ما ينتظرني، ومواجهة أشخاص حاولوا استغلال ضعفي. لكن هاتين التجربتين، فوق كل غيرهما، شكّلتا أعمق مخاوفي وحزني وقوتي.
إضافة إلى هذه الخسائر، واجهت سنوات من المعارك التي لم أتخيلها. حاربت أنظمة هجرة شككت في حقي بالأمان، وتعرضت لضغوط سياسية لوقوفي مع نفسي، وهجمات قانونية — بما في ذلك قضايا في مصر مبنية على ادعاءات كاذبة وغير مفهومة مثل غسل الأموال. تداخلوا مع وضعي الشخصي في الهجرة عبر الوصول إلى ملفي دون موافقتي وحجب مراسلات جنسيتي، بما في ذلك دعوة التجنيس، رغبةً في إفشالها.
كان ذلك جزءاً من سنوات من عدم الاستقرار والعذاب النفسي. في كل مرة حققت فيها نجاحاً — في عملي، أو اعترافاً عاماً، أو نلت أوسمة أو تكريماً — ظهرت محاولات جديدة لتقويضي وكسرِي.
لم أُستهدف لأنني مذنبة، بل لأنني بدأت أتكلم. في كل مرة رفعت صوتي، ظهرت اتهامات وعقبات وضغوط جديدة.
لم تحدث هذه التجارب مرة واحدة؛ بل امتدت عبر سنوات طويلة. كانت مرعبة، مُنهِكة، ومزعزِعة للاستقرار. وحتى اليوم، ما زلت أتنقل بين تحديات مستمرة.
ومع ذلك، ما زلت واقفة — تشكلت بما نجوت منه، وقويت برفضي للصمت.
ومع ذلك — ما زلت هنا.
أواصل اختيار الكرامة.
أواصل حماية ابني.
أواصل الكلام، حتى عندما يرتجف صوتي.
أتحدث اليوم ليس فقط كمدافعة عن السياسات — بل كإنسانة تفهم، من التجربة الحية، كيف تتقاطع الإساءة والسيطرة والصمت.
الشفاء بالنسبة لي ليس النسيان.
إنه تعلم العيش بلا صمت.
الصدمة لا تختفي مع الوقت. تعيش في الجسد.
تنتظر بصمت، وقد تعيدها محفزات صغيرة إلى السطح.
لهذا علينا أن نتعلم الاستماع لأنفسنا، وأن نعرف حدودنا ونحترمها.
الشفاء يحتاج إلى رعاية — لا ضغط.
والبقاء يتطلب معرفة متى نتوقف، ومتى نرتاح، ومتى نحمي أنفسنا.
أحياناً يبدو الألم درامياً.
وأحياناً يكون هادئاً — يتراكم ببطء.
نوع الألم الذي يجعل الأيام العادية ثقيلة
ويحوّل الليالي إلى شيء مخيف.
سيطر القلق على جسدي.
تسارع قلبي.
صار نفسي سطحياً.
عشت بإحساس دائم بأن شيئاً سيئاً على وشك الحدوث — وفي كثير من اللحظات، حدث فعلاً.
سُرق جواز سفري من منزلي.
تعرضت للاعتداء.
اندلع حريق في بيتي.
نُشرت مادة الأمونيا داخل المنزل.
صار الخوف دائماً.
ليس متخيلاً — بل حقيقياً.
ومع تقاعس الشرطة، اضطررت لوضع سكين تحت سريري، وإغلاق الأبواب بالمفاتيح، وتركيب كاميرات، والاستعانة بالكلاب. كنت خائفة — وما زلت خائفة. بمرور الوقت، واجهت أنماطاً من السيطرة والتلاعب والإكراه المالي جعلتني أخشى على سلامتي. كان التعامل مع المال يتم بطرق غير آمنة ومهينة. أُخذت وثائقي الشخصية، بما فيها جواز سفري، من منزلي دون موافقتي. تركتني هذه الأحداث مكشوفة ومهددة ومُستغلة. وتبع ذلك حملة تشويه ممنهجة للنيل من مصداقيتي ومكانتي.
أدركت أنني لم أُعامل كزوجة ولا كإنسانة، بل كجسر — وسيلة للوصول إلى آخرين، أو لاكتساب موافقة أو نفوذ أو مصلحة. ما اعتقدته زواجاً كان في الحقيقة بناءً قائماً على الخداع.
هناك ألم لا يفهمه إلا الله:
أن تكتشفي أن الرجل الذي تزوجته لم يخنك عاطفياً فحسب، بل عمل ضدك — خطوة خطوة، وفعلاً فعلاً لسنوات — ليس بدافع الحب أو القناعة، بل لنيل موافقة رجل آخر.
ليس صديقاً.
ليس زميلاً.
بل شخصية ذات نفوذ من ماضيّ — شخص ألحق بي أذى عميقاً من قبل.
ومع ذلك، وسط ذلك الخوف، اتخذت قراراً.
اخترت الإيمان بالله.
اخترت الإيمان بأن لا أحد يستطيع تغيير اليوم المكتوب لي أو لابني.
هذا الإيمان لا يعني أنني لا أخاف — بل يعني أنني أضع ثقتي حيث لا يحكم الخوف.
أسلّم حياتي وحياة ابني لله، حتى وأنا أشعر بالخوف الإنساني.
أصبحت خائفة من محيطي.
خائفة من إساءة استخدام السلطة ضدي.
مرعوبة من المشي وحدي — حتى في وضح النهار.
شعرت بأنني محاصَرة.
داخل أفكاري.
داخل الخوف.
داخل واقع لا أشعر فيه بالأمان.
تبع ذلك الاكتئاب.
كان النهوض من السرير يبدو مستحيلاً.
الوحدة كانت مخيفة.
وفي الليل، لم يكن عقلي يهدأ.
كانت هناك فترات — بما فيها الآن — احتاج فيها جسدي إلى الدواء للنوم.
ليس للهروب من الحياة،
بل للبقاء خلال الليل بلا هلع.
كانت هناك لحظات همس فيها عقلي بأن الاختفاء قد يجلب راحة.
ليس لأنني أردت الموت —
بل لأنني أردت أن يتوقف الألم.
أردت أن تهدأ الأفكار المتسارعة،
أن أرتاح، أن أنام،
أن أتوقف عن دوّامة العقل حين يخرج عن السيطرة.
لم أكن أعرف طريقاً آخر آنذاك.
وما زلت أتعلم — وما زلت أقاتل — وما زلت أختار البقاء.
هذه الأفكار مرعبة.
وكثير من الناس يعيشونها في صمت.
ما أنقذني لم يكن التظاهر بالقوة.
ما أنقذني كان قول الحقيقة.
كان هناك خطأ ما.
وكثير من النساء — والأطفال — يعيشون داخل هذا الخوف ذاته.
علينا أن نتحدث بصدق عن الإساءة والسيطرة والأنا والسلطة.
هذا لا يعني أن كل الرجال هم المشكلة. الرجال أيضاً يتعرضون للإساءة، وألمهم مهم. كثير من الناس — رجالاً ونساءً — يُسحبون إلى مواقف بدافع العاطفة أو الضغط أو الخوف، لا لأنهم اختاروها أو وافقوا عليها في ظروف طبيعية.
لن أقدم أوهام السيطرة الكاملة على حياتي. أنا إنسانة مثل الجميع. أُخطئ. لكن عندما أدرك أنني في وضع لا ينبغي أن أكون فيه، أتحمل المسؤولية، وأتراجع، وأراجع أفعالي.
لأن الصمت يحمي الأذى.
والحقيقة لا تفعل.
ما ساعدني على البقاء كان تعلم كيف أبقى في جسدي
عندما كانت كل غرائزي تريد الهروب منه.
تعلمت التأريض.
عندما كان القلق لا يُحتمل، استخدمت البرودة — الثلج على يديّ ومعصميّ ورقبتي، وأحياناً حمامات الثلج.
ليس لمعاقبة نفسي،
بل لقطع نوبة الهلع وإعادة جسدي إلى الحاضر.
أجبرت البرودة جهازي العصبي على التباطؤ.
ذكّرتني:
أنا هنا.
أنا حيّة.
سيمر هذا.
تعلمت أن أتنفس حين كان جسدي يقاوم التنفس.
تعلمت الجلوس مع الهلع بدلاً من الهروب منه.
تعلمت أن المشاعر ليست ضعفاً — بل إشارات.
تعلمت الحدود.
الحقيقية منها.
أحياناً كان السلام يعني الرحيل.
قطع التواصل.
اختيار نفسي — حتى عندما بدا ذلك وحيداً.
تعلمت أن الاكتئاب يكذب.
يخبرك أنك عبء.
أن لا شيء سيتغير.
أنك وحدك.
تبدو هذه الأفكار حقيقية —
لكنها ليست الحقيقة.
في مرحلة ما، أصبحت قصتي ثقيلة على عقلي لاحتوائها دفعة واحدة.
بدا من المستحيل أن يحدث كل هذا لشخص واحد.
فتوقفت عن محاولة معالجة كل شيء في الوقت نفسه.
جزأت الحياة.
مشكلة واحدة.
خوف واحد.
خطوة واحدة.
توقفت عن إعادة تشغيل الخيانة.
وتوقفت عن محاولة فهم القسوة.
لأن هذا التفكير كان يدمرني.
أدركت أمراً مهماً:
لا أستطيع التحكم فيما يفعله الآخرون.
لا أستطيع التحكم في الخيانة أو الإساءة أو ألعاب السلطة.
لكنني أستطيع التحكم في ردة فعلي.
اخترت ألا أعيش في الكراهية.
ألا أغرق في الانتقام.
ألا أسمح لما فُعل بي أن يحدد من أكون.
اخترت الارتقاء بنفسي —
بالتعاطف،
وبالحدود،
وبالكرامة.
هذا الاختيار أنقذ عقلي.
كانت هناك أيام كان فيها دماغي مثقلاً —
ضغط قانوني، مسؤولية، خوف، وحدة — كلها معاً.
أصبحت الأشياء البسيطة صعبة.
كتابة رسالة.
مغادرة الغرفة.
المشي في الخارج بدا غير آمن — ليس بسبب خطر أمامي، بل لأن جهازي العصبي كان مرهقاً.
فقلّصت الحياة إلى أصغر الأفعال الممكنة.
اليوم، أجيب عن رسالة واحدة.
اليوم، أحضر موعداً واحداً.
اليوم، أتنفس خلال ساعة واحدة.
وببطء، صار ذلك بقاءً.
هناك حقيقة أخرى أود قولها.
أعاني من الثقة.
أشك في النوايا.
أتحرك بسرعة — ليس لأنني بلا خوف، بل لأن جزءاً مني عاش بخوف أن الوقت قد ينفد.
ومع ذلك، إلى جانب هذا الخوف، هناك شيء آخر.
لا أريد لأحد أن يتألم.
لا أريد لأحد أن يشعر بالهجر أو الخوف أو عدم الرؤية.
لذلك أعطي ما لدي — رعاية، وقت، دعم — حتى عندما لا يتبقى لدي الكثير.
لأنني أؤمن بالبشر.
أؤمن بأن الناس يمكن أن يكونوا أفضل.
هذا الإيمان أبقاني على قيد الحياة.
ما أعرفه الآن هو الآتي:
البقاء ليس أن تصبح قاسياً.
الشفاء هو أن تصبح صادقاً.
القوة النفسية ليست الصمت.
هي استخدام أي شيء يبقيك حيّاً — دواء، تأريض، علاج، إيمان، دعم — بلا خجل.
هي اختيار الحياة مراراً وتكراراً،
حتى في الأيام التي تبدو فيها الحياة غير محتملة.
إن كنت تعاني اليوم، أرجوك اسمع هذا:
أنت لست مكسوراً.
أنت لست ضعيفاً.
أنت لا تفشل.
أنت تستجيب بشكل طبيعي
لمستويات غير طبيعية من الألم.
أقف هنا ليس لأنني لم أسقط يوماً،
بل لأنني لم أستسلم —
حتى عندما توسّل عقلي أن أختفي.
ولهذا يهمّ السلام.
السلام ليس غياب الألم.
السلام هو تعلم كيف تبقى حيّاً
بتعاطف مع نفسك.
كانت هناك لحظة غيّرت كل شيء بالنسبة لي.
أدركت أن ابني كان يفقد أمه —
ليس جسدياً،
بل عاطفياً ونفسياً.
خسر عاماً من تعليمه —
ليس بسبب القدرة،
بل لأن الألم وعدم الاستقرار فُرضا على حياته.
رأيت الخوف في طفل لا ينبغي أن يعرف إلا الأمان.
وفي تلك اللحظة، فهمت:
إن لم أعتنِ بنفسي، سأفقده.
عندها اخترت العلاج.
ليس لأنني ضعيفة —
بل لأنه كان بحاجة إلى أمه.
اخترت الشفاء ليشعر بالأمان من جديد.
اخترت الحياة ليستمر هو في حياته.
ذلك القرار أنقذنا معاً.
عندما وصلت إلى نقطة الانهيار، أدركت أنني لا أستطيع الاستمرار في حمل ألم لم يكن لي لأحمله.
اخترت أن أنهض مجدداً.
واليوم أقول هذا بوضوح:
أنا أستحق.
في عام 2026، رسالتنا بسيطة.
هذا ليس لإثبات أي شيء.
بل لتذكّر قيمتنا.
القوة ليست أن تصبح بارداً.
القوة هي معرفة قيمتك
ورفض أن تفقد نفسك للألم.
الألم لم يعرّفني.
السلام علّمني قيمتي.
شكراً لحسن الاستماع.
شكراً لاختياركم الصحة النفسية.
وشكراً لاختياركم السلام.
اترك تعليقا:
