المستشار محمد طلبه شعبان يكتب :
الغياب الظني والحضور الكاريزمي
عندما كنا طلابا في السنة الثالثة بكلية الحقوق درسنا بابا في قانون المرافعات عنوانه ( الغياب والحضور) وهذا الباب يرتبط بمبدأ هام في التقاضي هو مبدأ المواجهة في المحاكمات المنصفة .. وبمنتهي التبسيط فانه لا دعوى بغير طلب ولا خصومة بغير اعلان ولا حكم بغير مواجهة حقيقية في خصومة منعقدة ..ولكي تكون الخصومة منعقدة يتعين اعلان الخصم بها اعلانا حقيقيا على الوجه الذي رسمه القانون قبل انعقاد الجلسة بفترة كافية وتمكينه من الحضور حتى يتسنى له تحضير دفاعه وتقديمه مستنداته للقاضي النزيه في الجلسة المحددة ، وأي اخلال بتلك المباديء يترتب عليه انعدام الاجراءات وما يترتب عليها من آثار .. فاذا كان الاخلال متعمدا قامت جريمة التزوير والغش في حق مرتكبيها وأصبح الحكم ( مغشوشا ) يستمد فساده القانوني ممن أصدره مهما كان موقعه ومهما كانت حصانته .
والاصل أن المحاكمات تكون علنية وليست سرية بمعني ان يتاح للعامة حضورها فاذا لم يتح القانون للعامة الحضور وتعمد القاضي تغييب الخصم نفسه في كل مراحل الخصومة ثم يتعجل باصدار الحكم في جلسة واحدة سرية غيابية ضد شخص لم يسأل مطلقا ولم توجه له أي اتهامات من اي جهة مطلقا فان الصفة القضائية هنا تنتفي عن القضية وعن القضاة وتتحول ساحة المحكمة الطاهرة الى مسرح لأبشع جريمة ترتكب ضد العدالة ذاتها وهي جريمة الغش والتزوير والمكايدة الشخصية ؛ وتبقى الاحكام الغيابية السرية المغشوشة مجرد أوراق شائنة في ذاتها ولا تتضمن أي حقيقة قضائية وتعبر عن خيانة للعدالة توجب تقديم مرتكبها لمحاكمة جزائية عاجلة منصفة .
كل هذا على مستوى التنظير القانوني والسوابق القضائية .. أما على المستوى الانساني فهناك باب أخر للحقائق الناصعة يسجل قواعد واقعية للحضور والغياب الكاريزمي في كتب التاريخ تحت عنوان ( طغيان الحضور الشخصي واستحالة التغييب القسري) وذلك لبعض الشخصيات الملهمة سواء في التاريخ السياسي أوالقضائي ، فكل من حاول تغييب الزعيم جمال عبد الناصر غاب وعاب ، وكل من حاول تغييب الشهيد البطل أنور السادات لعنته روحه الطاهرة وسقط ، ولك أن تفتح القوس وتكتب عظماء التاريخ المصري القديم والحديث منذ أحمس والظاهر بيبرس وقطز وشجرة الدر حتى الان ..
وفي المجال القضائي الذي يعنيني أكثر يمكن لنا اختصار القول :
إن التاريخ القضائي يذكر دائما شخصيات حباها الله حضورا طاغيا وكاريزما تستعصي على الغياب وتستعلي على المساس ؛ فلا تستطيع الاوراق الملوثة ولا الكلمات المشبوهة طمس بهائها أو تغييب تاريخها ؛ فهي حاضرة رغم انف الغياب ..مضيئة دون معرفة الاسباب ..كالشمس تطرق كل باب .. فاذا حاول أي سفيه تغييب سيرة تلك الشخصيات قسريا أو المساس برمزيتها فسيأخذه حقده وكيده حتما للمثول أمام حضورها الاعتباري الطاغي فتجبره قوة خفية أن يُقبِل الارض التي كانت تمشي عليها احذيتهم ويعتذر باكيا عن أعماله الشائنة في حقهم ، وأعتقد جازماً أن قضاة كبارا أجلاء كانوا لنا قدوة ومثلا أعلى في جرأة الحرف وشجاعة الكلمة وجسارة المواقف والعطاء وتقديم التضحيات أمثال المستشارين الشيوخ الاجلاء المرحوم / وجدي عبد الصمد رئيس المجلس الاعلى للقضاء والرئيس التاريخي لنادي القضاة ، والمرحوم / عبد العزيز أبو خطوة ( رئيس محكمة جنايات مصر وأول رئيس للمحكمة الكلية بدولة الكويت الشقيقة ) ، والمرحوم / أمين لوقا ( رئيس محكمة جنايات مصر ) ، و المستشار الجليل / عدلي حسين رئيس محكمة استئناف القاهرة – أطال الله في عمره –.. وغيرهم من العلامات والقامات القضائية الكبرى التي لا تقع تحت حصر و لا يمكن للناشئة ولا الموقوذة ولا المتردية ولا النطيحة أن تظن يوما أنها قد تستطيع تغييب حضورهم والنيل من سيرتهم وسيرة تلاميذهم ومريديهم العطرة.. وسيبقى للحضور طغيانه ؛ شاء من شاء وأبى من أبى ..
قاضي الشعراء
المستشار محمد طلبه شعبان
القاضي بمحكمة الاستئناف ورئيس المكتب الفني للمحكمة الكلية وعضو لجنة الحراس القضائيين بدولة الكويت السابق
عضو اتحاد كتاب مصر
اترك تعليقا: